عبد القاهر الجرجاني
76
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )
سيرِها وسهولتهِ كالماءِ يجري في الأَبْطُحِ ، فإنَّ هذا شَبَهٌ معروفٌ ظاهر ، ولكنَّ الدِّقةَ واللطفَ في خصوصيةٍ أفادَها 1 ، بأنْ جعَلَ " سال " فعلاً للأباطحِ ، ثم عدَّاه بالباءِ ، ثم بأَن أدخلَ الأعناقَ في البين 2 ، فقال : " بأعناقِ المطيِّ " ، ولم يَقُلْ : " بالمطيِّ " ، ولو قالَ : " سالتِ المطيُّ في الأَباطح " ، لم يَكُنْ شيئاً . وكذلك الغرابةُ في البيتِ الآخر ، ليسَ في مُطْلق معنى " سال " ، ولكنْ في تَعْديته بعلى والباء ، وبأنْ جعَلَه فِعْلاً لقولِه " شعابُ الحَيِّ " ولولا هذه الأمورُ كلُّها لم يكنْ هذا الحُسْنُ . وهذا مَوضعٌ يَدِقُّ الكلامُ فيه . 71 - وهذِه أشياءُ من هذا الفن : اليومُ يومانِ مُذْ غَيِّبْتَ عن بَصَري . . . نفْسي فداؤك ، ما ذنبي فأَعْتَذِرُ أُمسي وأُصِبحُ لا ألقاكَ ، وَاحَزَنَاً . . . لقدْ تأَنَّق في مكرُوهِيَ القَدَر 3 سَوَّارُ بن المضَرَّب ، وهو لطيف جدًا : بِعَرْض تَنُوفةٍ للريحِ فيها . . . نَسيمٌ لا يرُوعُ الترب وإن 4 بعض الأعراب : ولرب خصم جاهدين ذوي شذا . . . تقذى صدورهم بهتر هاتر
--> 1 في " س " وأشار إليها رشيد رضا في نسخة : " الرقة " يدل على " الدقة " . 2 في المطبوعة : " في البيت " ، وأشار إلى نسخة فيها " البين " ، أيضًا ، وقد سلف بيان مثلها في الفقرة : 61 . 3 في هامش " ج " حاشية لم أحسن قراءتها . 4 من قصيدة له من الأصمعيات رقم : 91 ، وروايته : " بكل تنزفة . . . خفيف لا يروع " .